أبو نصر الفارابي

148

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

واحد منها هو الذي قصد ، أو أن يجاز له وحده أفضل الوجود دون غيره . فلذلك جعل له كل ما يبطل به كل ما كان ضارا له وغير نافع له ، وجعل له ما يستخدم به ما ينفعه في وجوده الأفضل . فإنا نرى كثيرا من الحيوان يثب على كثير من باقيها ، فيلتمس إفسادها ، وإبطالها ، من غير أن ينتفع بشيء من ذلك نفعا يظهر ، كأنه قد طبع على أن لا يكون موجود في العالم غيره ، أو أن وجود كل ما سواه ضارّ له ، على أن يجعل وجود غيره ضارّا له ، وان لم يكن منه شيء آخر على أنه موجود فقط . ثم إن كل واحد منهما ، إن لم يرم ذلك ، التمس أن يستعبد غيره فيما ينفعه ، وجعل كل نوع من كل نوع بهذه الحال ، وفي كثير منها جعل كل شخص من كل شخص في نوعه بهذه الحال . ثم خليت هذه الموجودات أن تتغالب وتتهارج . فالأقهر منها لما سواه يكون أتمّ وجودا . والغالب أبدا إما أن يبطل بعضه بعضا ، لأنه في طباعه أن وجود ذلك الشيء نقص ومضرّة في وجوده هو ، وإما أن يستخدم بعضا ويستعبده ، لأنه يرى في ذلك الشيء أن وجوده لأجله هو « 1 » . ويرى أشياء تجري على غير نظام ، ويرى مراتب الموجودات غير محفوظة ، ويرى أمورا تلحق كل واحد على غير استئهال منه لما يلحقه من وجوده لا وجود ( لنفسها ) . قالوا : وهذا وشبهه هو الذي يظهر في الموجودات التي نشاهدها ونعرفها . فقال قوم بعد ذلك إن هذه الحال طبيعة الموجودات ، وهذه فطرتها ، والتي تفعلها الأجسام

--> ( 1 ) الموجودات تتغالب على الوجود وينتصر الأتم وجودا .